ابن بسام

210

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

في ليلة من جمادى « 1 » ذات أندية * لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنبا « 2 » وأقاموا منتظرين لأمره حتى بدا النور ، وتكلّم العصفور ، وهو مشغول بجرّ ذيوله ، وعصيان عذوله ، فيئسوا من نصره ، وجعلوا بعد يلحدون في أمره ، وتمّ لابن عكاشة تدبيره ، واستوسق له عيره ونفيره ، فانتهك حرمة قرطبة ، سنة سبع وستين ، في شرذمة قليلة ، وشباة « 3 » كليلة ، معلنين بشعارهم ، متلبثين بين تغريرهم واغترارهم ، لم تكن لهم همّة / إلا دار عباد ، فثار إليهم عندما أحسّ بهم ولا أهبة إلّا إقدامه ، ولا صاحب إلا حسامه ، فجادلهم بالسيف صلتا ، حتى أذاقوه الموت بحتا ؛ ثم نهدوا إلى دار ابن مرتين وهو في منزل راحته ، غافلا عمّا نزل بساحته . ذكر أنه كان ساعتئذ يلعب بين يديه بالكرّج ، فعوّل على الفرار ، واستتر مديدة في بعض الأقطار ، حتى انقضت أيامه ، وعثر عليه حمامه ، أخرج من قرطبة كأنه يحمل إلى ابن ذي النون ، وقد تقدّم إلى حملته ، فطووا خبره ، ومحوا أثره . وبات ابن عكاشة ليلته يطرق دور الأعيان من أهل قرطبة ، يتودّد إليهم ، ويعرض نفسه عليهم ، فمن أجابه قبله ، ومن أبى عليه لم يعرض له ؛ وأصبح قد انضاف إليه من بني المحن ، وطغام الفتن ، من منع منه ، وحسم الأطماع عنه . ودعا الكافّة إلى المسجد الجامع فأتوه خفافا وثقالا ، وبايعوه بطاء وعجالا ، وانثالت إليه طوائف الأمداد ، وقوّاد الأجناد ، فانتظم له الأمر ، واستوسق له المصر ، ولحق ابن ذي النون بعد ذلك وهو يرى أنه قد وطئ صلعة النّسر ، وأخذ بمخنّق الدهر ، أملا طالما عللته به المطامع ، وهزته « 4 » إليه المضاجع ، ولم يزل في يوم دخوله قرطبة يعمل الحيلة في إقصاء ابن عكاشة من دولته ، وإخراجه عن جملته . بلغني أنه دخل على ابن ذي النون يوما ، وقد رفل في الشارة ، وتقلّد مثنّى الوزارة ، فرحّب به وأدناه ، وهشّ إليه وناجاه ، فلما خرج تنفّس الصّعداء ، وأتبعه نظرة شوهاء « 5 » ، وهينم بكلمة عوراء ، / فكأنّ بعض الحاضرين أنكر عليه وجعل يطري ابن عكاشة ،

--> ( 1 ) من جمادى : سقطت من ط م س ل . ( 2 ) البيت لمرة بن محكان التميمي ، شاعر مقل إسلامي ، انظر : الحماسية رقم : 675 . ( 3 ) س م ط د ل ودوزي : وشناة . ( 4 ) م ط : وهدته ؛ ل : وهدته ؛ خ بهامش ط : وهزته . ( 5 ) لعلها : شوساء .